أبي حيان الأندلسي

94

البحر المحيط في التفسير

للكافرين . والظلم هنا الشرك قاله ابن عباس والحسن وابن جريج ، ويحتمل دخول المعاصي غير الشرك في الظلم . وقال الزمخشري : العذاب الكبير لاحق لكل من ظلم والكافر ظالم لقوله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 1 » والفاسق ظالم لقوله وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 2 » انتهى وفيه دسيسة الاعتزال . وقرئ : يذقه بياء الغيبة أي اللّه وهو الظاهر . وقيل : هو أي الظلم وهو المصدر المفهوم من قوله يَظْلِمْ أي يذقه الظلم . ولما تقدم الطعن على الرسول بأكل الطعام والمشي في الأسواق أخبر تعالى أنها عادة مستمرة في كل رسالة ومفعول أَرْسَلْنا عند الزجاج والزمخشري ومن تبعهما محذوف تقديره أحدا . وقدره ابن عطية رجالا أو رسلا . وعاد الضمير في إِنَّهُمْ على ذلك المحذوف كقوله وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ « 3 » أي وما منا أحد والجملة عند هؤلاء صفة أعني قوله إِلَّا إِنَّهُمْ كأنه قال إلّا آكلين وماشين . وعند الفراء المفعول محذوف وهو موصول مقدر بعد إلّا أي إلّا من . إِنَّهُمْ والضمير عائد على مِنَ على معناها فيكون استثناء مفرغا وقيل : إنهم قبله قول محذوف أي إِلَّا قيل إِنَّهُمْ وهذان القولان مرجوحان في العربية . وقال ابن الأنباري : التقدير إلّا وإنهم يعنى أن الجملة حالية وهذا هو المختار . قد ردّ على من قال إن ما بعد إلّا قد يجيء صفة وإما حذف الموصول فضعيف وقد ذهب إلى حكاية الحال أيضا أبو البقاء قال : وقيل لو لم تكن اللام لكسرت لأن الجملة حالية إذ المعنى إلّا وهم يأكلون . وقرئ أنهم بالفتح على زيادة اللام وإن مصدرية التقدير إلّا أنهم يأكلون أي ما جعلناهم رسلا إلى الناس إلّا لكونهم مثلهم . وقرأ الجمهور : وَيَمْشُونَ مضارع مشى خفيفا . وقرأ عليّ وابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد اللّه يَمْشُونَ مشددا مبنيا للمفعول ، أي يمشيهم حوائجهم والناس . قال الزمخشري : ولو قرئ يَمْشُونَ لكان أوجه لولا الرواية انتهى . وقد قرأ كذلك أبو عبد الرحمن السلمي مشدد مبنيا للفاعل ، وهي بمعنى يَمْشُونَ قراءة الجمهور . قال الشاعر : ومشى بأعطان المباءة وابتغى * قلائص منها صعبة وركوب وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ . قال ابن عطية : هو عام للمؤمن والكافر ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، والفقير الشاكر فتنة للغني ، والرسول المخصوص بكرامة النبوّة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره ، وكذلك العلماء وحكام العدل . وقد تلا ابن القاسم هذه

--> ( 1 ) سورة لقمان : 31 / 13 . ( 2 ) سورة الحجرات : 49 / 11 . ( 3 ) سورة الصافات : 37 / 164 .